السيد كمال الحيدري

163

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)

وعليه فما نقرؤه ونعقله من القرآن أمر ( هو من القرآن بمنزلة الروح من الجسد ، وهو الذي تعتمد وتتّكئ عليه معارف القرآن المنزّل ومضامينه ، وليس هو من سنخ الألفاظ المفرّقة المقطّعة ولا المعاني المدلول عليها بها ) « 1 » ، وهذا ما يُسمّيه قدّس سرّه بتأويل القرآن لانطباق أوصافه ونعوته عليه ؛ ممَّا يعني أنَّ هنالك نسبة بين التأويل وبين المعارف والمقاصد المبيّنة ، وهي نسبة الممثَّل إلى المثال ، وأنّ جميع المعارف القرآنية أمثال مضروبة للتأويل عند الله سبحانه وتعالى . ولذلك يقول قدّس سرّه : ( إنّ الآيات تدلّ على أنّ تأويل الآية أمرٌ خارجيّ نسبته إلى مدلول الآية نسبة الممثَّل إلى المثل ، فهو وإن لم يكن مدلولًا للآية بما لها من الدلالة ، لكنّه محكيّ لها محفوظ فيها نوعاً من الحكاية والحفظ ، نظير قولك : في الصيف ضيّعت اللّبن لمن أراد أمراً قد فوّت أسبابه من قبل ، فإنّ المفهوم المدلول عليه بلفظ المثل - وهو تضييع المرأة اللّبن في الصيف - لا ينطبق شيءٌ منه على المورد ، وهو مع ذلك ممثّل لحال المخاطب ، حافظ له ، يصوّره في الذهن بصورة مضمّنة في الصورة التي يعطيها الكلام بمدلوله ) « 2 » . إذن فاللفظ لو خُلِّي ومعناه الموضوع له فإنه لا يؤدّي مقاصد المثل ، لأنه غير موضوع له ، ولكنه مع ذلك يحكيه بواسطة الدلالة الخارجية ، بمعنى أنَّ ظروف المثل أو الواقعة الخارجية المقترنة به تضمن حكايته لها . والكلام هو الكلام في التأويل ، ولذلك يقول قدّس سرّه : ( كذلك أمر التأويل ، فالحقيقة الخارجية التي توجب تشريع حكم من الأحكام أو بيان معرفة من المعارف الإلهية أو وقوع حادثةٍ ، هي مضمون قصّة من القصص القرآنية ، وإن لم يكن أمراً يدلّ عليه بالمطابقة نفس الأمر والنهي أو البيان أو الواقعة الكذائية ، إلّا أنّ الحكم أو البيان أو الحادثة لمّا كان كلٌّ منها ينتشي منها

--> ( 1 ) المصدر السابق : ج 3 ، ص 54 . ( 2 ) المصدر السابق : ج 3 ، ص 52 . .